ظهرت الأقمشة الذكية منذ أن ابتكر فريق من المهندسين في جامعة ستانفورد (كاليفورنيا، الولايات المتحدة الأمريكية) نسيجًا بلاستيكيًا، يعمل على تبريد الجسم عند نسجه. ومنذ ذلك الحين، استلهم باحثون آخرون هذه الفكرة لتنظيم كمية الحرارة المارة عبر النسيج تلقائيًا أو لتبريد الملابس. ومع ذلك، وبغض النظر عن هذه الابتكارات التي تُحافظ على برودة المستخدمين، فقد خطا فريق آخر من الباحثين خطوة أبعد، مُركزين على نوع مختلف من الأقمشة يهدف إلى مراقبة الصحة.
كشفت دراسة نشرها علماء في كلية جون أ. بولسون للهندسة والعلوم التطبيقية بجامعة هارفارد في مجلة المواد الوظيفية المتقدمة أنهم قاموا بتحويل النسيج المحبوك الشائع إلى مادة قابلة للبرمجة قادرة على تغيير شكلها، والعمل كمفتاح كهربائي، واكتشاف الحركة، ووضع الأساس للتكنولوجيا القابلة للارتداء في المستقبل.
على وجه التحديد، تُظهر الأبحاث أن المنسوجات الآلية قادرة على التحول السريع بين أشكال مستقرة متعددة دون الاعتماد على محركات أو مكونات ميكانيكية صلبة. بعبارة أخرى، تتصرف هذه المواد بشكل أقرب إلى الروبوتات المرنة القادرة على تعديل بنيتها، بدلاً من الملابس التقليدية.
يرتكز هذا الإنجاز على مفهوم الاستقرار المتعدد، الذي ينص على أن الجسم قادر بطبيعته على اتخاذ أكثر من وضعية مستقرة. ومن الأمثلة البسيطة على ذلك مفتاح الإضاءة، فهو لا يبقى في وضعية بين التشغيل والإيقاف، بل يستقر في إحدى هاتين الوضعيتين. ولذلك، تمكن فريق جامعة هارفارد من تطبيق هذا المبدأ على نسيج قادر على تغيير شكله.
لتحقيق ذلك، استخدم الباحثون خيوطًا مرنة وتقنيات نسيج صناعية، مشابهة لتلك المستخدمة في صناعة الملابس كالقبعات والقفازات والكنزات. علاوة على ذلك، وبدلًا من استخدام المحركات أو البلاستيك أو الأجزاء الصلبة، قاموا بدمج أنواع مختلفة من الخيوط وترتيبها بطريقة محددة لإنشاء هياكل قابلة للانحناء واتخاذ أشكال ثلاثية الأبعاد.
ونتيجة لذلك، يمكن للنسيج تغيير شكله عدة مرات والعودة دائمًا إلى أوضاع محددة، كما لو أنه يحتفظ بذاكرة الأشكال التي يمكن أن يتخذها. لذا، قد تتيح هذه الخاصية تطوير مواد ذكية وأنظمة روبوتية مرنة قادرة على الحركة والتكيف دون الحاجة إلى محركات أو مكونات ميكانيكية صلبة.
لم يكتفِ الفريق بابتكار نسيج متغير الشكل، بل أظهر أيضاً بعض تطبيقاته العملية المحتملة. ولتحقيق ذلك، قام الباحثون بدمج خيوط موصلة في المادة، مما سمح للنسيج بالعمل كمفتاح كهربائي مرن.
فعلى سبيل المثال، عند وضع النسيج على الركبة أو المرفق، يمكنه رصد كل حركة وتسجيل أي تغيير في شكله. كل "نقرة" تُطلق إشارة تُرسل إلى وحدة تحكم أردوينو، قادرة على عدّ الخطوات. وبهذه الطريقة، يستطيع النسيج تحويل حركات الجسم إلى بيانات دون الحاجة إلى مستشعرات صلبة أو أجهزة إلكترونية تقليدية.
تتجاوز رؤية الباحثين طويلة الأمد مجرد الطموح، إذ يهدفون إلى تطوير أقمشة قادرة على رصد حركة الجسم بدقة متناهية، وتوفير استجابة لمسية، والتفاعل مع التغيرات البيئية، بل وحتى التحول المادي إلى أشكال جديدة عند الحاجة.
ورغم أن تطوير المنسوجات الذكية مستمر منذ سنوات، إلا أن العديد منها يعتمد على مستشعرات صلبة ومكونات إلكترونية ضخمة مدمجة في النسيج. لذا، يقدم نهج فريق جامعة هارفارد إمكانية مختلفة: وهي أن يكون النسيج نفسه بمثابة التقنية، دون الاعتماد على هذا الكم من العناصر الخارجية.
قد يكون لهذا التغيير تطبيقات مهمة في المستقبل، بدءًا من الأجهزة القابلة للارتداء القادرة على مراقبة الصحة بشكل أكثر راحة، وصولًا إلى الأثاث القابل للتكيف والديكورات الداخلية التفاعلية التي يمكنها تعديل شكلها وفقًا لاحتياجات الأشخاص أو الظروف البيئية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق