وكما يكشف سينوفسكي الآن، كان الهدف من تلك الخطوة ببساطة هو بيع النسخ المعبأة في المتاجر وتبرير إبرام عقود طويلة الأجل مع المؤسسات والشركات. وقد جاء توضيحه هذا رداً على منشور لفرانك باخ -مصمم منتجات سابق في "إنستغرام"- تحدث فيه عن كيفية نجاح فريقه أخيراً في نقل الشعار من منطقة الترويسة (أعلى الصفحة) بعد سنوات من المقاومة الداخلية.
واغتنم سينوفسكي فرصة هذا النقاش لاستعراض ذكرياته وتجربته مع "أوفيس"؛ إذ كان قد انضم إلى الفريق عام 1994، ثم تولى لاحقاً قيادة قسم الويندز .
لماذا كان يتعين على صندوق Office أن يبدو جديداً كل عامين
حتى عام 2000، كانت مبيعات التجزئة هي المحرك الرئيسي لهذه التغييرات؛ فإذا أردنا الحصول على أحدث إصدار من برنامجي Word أو Excel، كان يتحتم علينا الذهاب إلى متجر فعلي وشراء علبة كرتونية تحتوي على أقراص مرنة أو قرص مضغوط (CD-ROM). وحتى تلك المرحلة، كانت المبيعات داخل المتاجر هي الدافع الأساسي، مدفوعةً في الغالب بإقبال المستخدمين على الترقية إلى إصدار جديد. وأوضح سينوفسكي أن العلامة التجارية كانت تؤدي دوراً محورياً عند نقطة البيع وفي المواد التسويقية المطبوعة.
ففي غياب علبة مميزة بصرياً على رفوف المتاجر، لم يجد سوى قلة من العملاء سبباً يدعوهم لدفع ثمن الإصدار الجديد. ويشير سينوفسكي إلى دورات الإصدار هذه باستخدام الأسماء الداخلية لمشاريع التطوير —مثل Office 94 وOffice 96— وهي أسماء لا تتطابق بالضرورة مع الأسماء التجارية التي كانت تظهر على رفوف المتاجر (مثل Office 4.3 وOffice 95).
كان من المقرر إطلاق الإصدارين بفارق عام واحد فقط، بالتزامن مع تطوير نظام التشغيل ويندوز 95 - الذي كان يُعرف داخليًا آنذاك باسم "شيكاغو". لم يحصل برنامج أوفيس 94 إلا على %15 فقط من الموارد الهندسية اللازمة؛ بينما ذهبت النسبة المتبقية البالغة %85 إلى أوفيس 96، الإصدار الأهم. علاوة على ذلك، قدمت مايكروسوفت رواية مختلفة بحسب الجمهور المستهدف: فقد تحدثت إلى فريق ويندوز عن الجهد المبذول في تطوير "شيكاغو"، بينما أقنعت باقي أقسام التطبيقات بالتركيز على أوفيس 96.
مع نمو أعمال الشركة في قطاع المؤسسات الكبرى، بدأ سوق التجزئة يبدو ضئيلاً بالمقارنة؛ إذ كانت الشركات الكبرى تبرم اتفاقيات ترخيص تمتد لنحو ثلاث سنوات، تمنحها الحق في تثبيت أي إصدار من حزمة "أوفيس" (Office) يُطرح خلال تلك الفترة. وفي حال عدم قيام الشركة فعلياً بتطبيق الإصدار الجديد، كان ينتابها شعور بأنها لم تحصل على قيمة عادلة مقابل ما دفعته من أموال.كانت عملية طرح إصدار جديد وتعميمه على مستوى الشركة بأكملها أمراً مكلفاً ويستغرق وقتاً طويلاً، كما أن إعادة تدريب آلاف الموظفين على إصدار من برنامج "إكسل" (Excel) لا يكاد يختلف عن سابقه أثارت استياءً ومقاومة لدى مديري تكنولوجيا المعلومات. ولهذا السبب، احتفظ الإصدار "Office 4.x" بنفس تنسيقات الملفات (.DOC و.XLS) المستخدمة في الإصدار السابق؛ لأن ابتكار تنسيقات جديدة كان سيتطلب وقتاً يتجاوز ما كان متاحاً لدى "مايكروسوفت". وعلاوة على ذلك، أدى استخدام تنسيقات مشتركة إلى خلق نوع من الاعتماد المتبادل، حيث كان الجميع بحاجة إلى استخدام الإصدار نفسه من برنامج "وورد" (Word) لفتح مستندات بعضهم البعض دون مواجهة مشكلات.
كان الإصدار "Office 4.x" هو الأخير الذي استخدم نظام الترقيم التقليدي قبل أن تبدأ "مايكروسوفت" في تسمية منتجاتها بناءً على السنة؛ وهي خطوة نبعت من الدافع ذاته الذي دفع قطاع صناعة السيارات إلى استخدام "سنة الطراز" لجعل السيارات القديمة تبدو متقادمة. ونظراً لأن الشركة لم تكن تمتلك حينها البنية التحتية اللازمة لتوزيع البرمجيات بتلك الوتيرة، ولا نظاماً للفوترة القائمة على الاشتراكات، فقد كان مجرد الانطباع بأن النسخة التي يمتلكها المستخدم أصبحت قديمة كافياً لتحقيق الغرض.
يُحقق نموذج الاشتراك الحالي عكس ما كانت تهدف إليه دورة الإصدارات التي تمتد لعامين أو ثلاثة تماماً؛ فعند الاشتراك في خدمة Microsoft 365، نحصل على الميزات وتحديثات الأمان بشكل مستمر، دون الحاجة إلى شراء منتج مادي منفصل، ودون ظهور أيقونة جديدة كل موسم، ودون أي داعٍ لانتظار إصدار جديد؛ إذ أن هذا المفهوم لم يعد موجوداً من الناحية التقنية.
ومع ذلك، فإن الاسم لا يفتأ يتغير؛ فقد تحول اسم التطبيق من Office إلى Office 365، ثم إلى Microsoft 365، وفي العام الماضي أُعيدت تسميته ليصبح Microsoft 365 Copilot. ولم يكن الهدف هذه المرة إقناع المستخدمين بأن نسختهم السابقة قد عفا عليها الزمن، بل تسليط الضوء على حقيقة أن الذكاء الاصطناعي بات حاضراً في كل مكان.
وتُوضح رواية "سينوفسكي" أن عمليات إعادة التصميم تلك لم تكن يوماً مجرد مسألة جمالية، بل كانت بمثابة محرك للمبيعات في حقبة كانت فيها آليات توزيع البرمجيات وتسعيرها وتحديثها تختلف اختلافاً جذرياً عما هي عليه اليوم.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق