غالبًا ما يتبادر إلى الذهن السؤال نفسه: "كيف أضعت كل هذا الوقت في مشاهدة فيديوهات إنستغرام ريلز أو تيك توك؟" يكمن الجواب في مزيج من العوامل النفسية والاجتماعية والتقنية التي قد تشجع المستخدمين على قضاء المزيد من الوقت على هذه المنصات. مع ذلك، لا يعني هذا أن كل من يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي مدمن عليها. في الواقع، لا يزال علماء النفس يناقشون كيفية تعريف وتشخيص ما يُسمى بالاستخدام الإدماني لوسائل التواصل الاجتماعي. ومع ذلك، ثمة أدلة تشير إلى أن بعض خصائص هذه المنصات قد تعزز السلوكيات المتكررة وتجعل من الصعب على المستخدمين اتخاذ قرار التوقف عن استخدامها.
من هذا المنطلق، بدأت هذه الديناميكية تُثير مخاوف بشأن تأثيرها المحتمل على المستخدمين الأصغر سنًا. في الواقع، توصلت شركة ميتا إلى اتفاق لتسوية الدعاوى القضائية التي اتهمتها بالمساهمة في إدمان القاصرين على منصاتها، وهي قضية تسلط الضوء مرة أخرى على طريقة عمل هذه الشبكات وعلى التدابير التي تتخذها للحد من تأثيرها على المراهقين.
جميع العلامات التي تعزز استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بين القاصرين
إحدى الآليات التي تُشجع هذا السلوك هي المكافأة المتغيرة، القائمة على عدم اليقين بشأن وقت ظهور شيء مُجزٍ. فعند فتح شبكة تواصل اجتماعي، لا يعرف الأطفال ما إذا كانوا سيجدون إعجابًا، أو تعليقًا، أو رسالة، أو متابعًا جديدًا، أو محتوى يثير اهتمامهم. لذا، فإن هذه الإمكانية تعني أن كل عملية بحث على الهاتف المحمول تحمل في طياتها إمكانية الحصول على مكافأة جديدة، ما قد يُحوّل استخدام هذه التطبيقات إلى سلوك تلقائي متزايد، حتى في حال عدم وجود شيء محدد للبحث عنه.
عامل رئيسي آخر هو أن شبكات التواصل الاجتماعي لا تنتهي. فعلى عكس الكتاب أو المجلة، حيث تُشير الصفحة أو الفصل إلى نهاية تجربة القراءة، تُقدم منصات مثل إنستغرام تدفقًا مستمرًا من المنشورات بفضل ما يُعرف بالتمرير اللانهائي. إضافةً إلى ذلك، هناك توصيات خوارزمية، إذ تُحلل شبكات التواصل الاجتماعي المحتوى المُشاهد، والوقت المُستغرق فيه، والتفاعل معه لاختيار منشورات جديدة قد تكون ذات صلة. وبهذه الطريقة، يتم إنشاء تجربة مُخصصة تُبقي المحتوى مُتاحًا باستمرار، وتُقلل الحاجة إلى البحث المُستمر عن شيء مُثير للاهتمام.
من جهة أخرى، تلعب الإشعارات دورًا هامًا، إذ يُمكن للصوت أو الاهتزاز أو المؤشر الأحمر على أيقونة التطبيق أن يُشجع المستخدم على التحقق من آخر المستجدات. وبالمثل، يُعد عدد المتابعين والمشاهدات والتعليقات والمشاركات والإعجابات مقاييس واضحة تُتيح للمستخدمين تقييم تأثير المنشور بسرعة، كما تُحوّل التقدير الاجتماعي إلى مكافأة ملموسة، وهو جانبٌ يُمكن أن يُؤثر على ثقة الأطفال بأنفسهم.
أشارت المفوضية الأوروبية إلى أن هذا المزيج من التوصيات الشخصية للغاية، إلى جانب التشغيل التلقائي والإشعارات والتمرير اللانهائي، يُعدّ من عناصر التصميم الذي قد يُسبب الإدمان لفيسبوك وإنستغرام، وهما شبكتان اجتماعيتان تابعتان لشركة مارك زوكربيرغ. وتستخدم بروكسل مصطلح "وضع الطيار الآلي" لوصف كيفية تحوّل السلوك نحو استخدام أكثر تلقائية وقهرية.وقد زعمت الدعاوى القضائية المرفوعة ضد شركة ميتا أن التمرير اللانهائي وتوصيات المحتوى المستمرة تُسهم تحديدًا في القضاء على اللحظة الطبيعية التي قد يقول فيها المستخدم: "لقد انتهيت". كما ذكرت المفوضية أن ميتا كانت تمتلك معلومات حول مقدار الوقت الذي يقضيه القاصرون على إنستغرام وفيسبوك ليلًا، وحول إمكانية تشجيع ميزتي ريلز وستوريز على الاستخدام القهري. ولذلك، يُفرض التسوية المعلنة حظرًا على الاستخدام بين منتصف الليل والساعة السادسة صباحًا، إلا بموافقة الوالدين، بالإضافة إلى تحديد ساعتين يوميًا كحد أقصى لاستخدام القاصرين.
هل من الممكن الانقطاع عن وسائل التواصل الاجتماعي؟
يتزايد اعتمادنا على الأجهزة ووسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية. وللحد من هذا الاعتماد المفرط، يلجأ البعض إلى ما يُعرف بـ"الانقطاع الرقمي". ولكن كيف يتم ذلك؟
من أولى الخطوات تحديد أوقات معينة للانقطاع عن العالم الرقمي وتعطيل الإشعارات غير الضرورية لتجنب المقاطعات المستمرة. كما يُنصح بإبعاد الأجهزة خلال أوقات محددة من اليوم، والبحث عن أنشطة ترفيهية لا علاقة لها بالتكنولوجيا، كإحياء هواية قديمة، أو ممارسة الرياضة، أو القراءة، أو قضاء وقت ممتع مع الآخرين.
علاوة على ذلك، يُمكن أن يُساعد وضع قواعد واضحة للاستخدام في التحكم في وقت استخدام الشاشة ومنع الاستهلاك التلقائي. في بعض الحالات، لا يعني الانقطاع عن التكنولوجيا بالضرورة التخلي عنها تمامًا، إذ يُمكن استبدال الهاتف الذكي بهاتف محمول عادي، بدون اتصال بالإنترنت، للحفاظ على وظائف الاتصال الأساسية دون التطبيقات والمُحفزات المُستمرة التي تُقدمها الهواتف الذكية.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق