أصبح فتح الأجهزة الإلكترونية باستخدام تقنية التعرف على الوجه للوصول إلى التطبيقات والتحقق من عمليات الشراء، أو دخول المنزل بدون مفاتيح تقليدية، من الإجراءات الروتينية المتزايدة للمستخدمين. وقد أحدثت سهولة المصادقة البيومترية نقلة نوعية في كيفية تفاعل المستخدمين مع الأنظمة الآمنة. فعلى سبيل المثال، يفضل جيل الألفية استخدام المصادقة البيومترية عند استخدام تطبيقات الخدمات المصرفية عبر الإنترنت، لأنها توفر عليهم عناء إدارة كلمات مرور معقدة ومتعددة دون التضحية ببروتوكولات الأمان القوية؛ وفي قطاع الرعاية الصحية، تساعد القياسات الحيوية على منع الخطأ في تحديد هوية المرضى والحد من الأخطاء الطبية المحتملة.
تُعدّ القياسات الحيوية تقنية متطورة شهدت نموًا ملحوظًا، إذ من المتوقع أن يصل حجم السوق العالمي لأنظمة القياسات الحيوية إلى 84.5 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2029، بمعدل نمو سنوي مركب قدره 12.3%. ورغم ازدياد دقة استخدام أنظمة القياسات الحيوية، إلا أن جمع هذه البيانات وتخزينها ومشاركتها لا يزال عرضةً للاختراق. ففي حال حدوث اختراق، يستحيل استعادة بصمة الإصبع أو ملامح الوجه، كما هو الحال مع كلمة المرور الرقمية، مما يجعل هذه الأنظمة بالغة الحساسية.
تُحدث الاختراقات الأمنية في مجال القياسات الحيوية آثارًا بالغة، ينبغي أن تكون بمثابة جرس إنذار. ففي حالات الكشف غير المقصود عن السجلات، لا يكون الخلل عادةً في تقنية القياسات الحيوية نفسها، بل في ضعف إجراءات الأمن في الأنظمة التي تخزن هذه البيانات. وبمجرد سرقة هذه السجلات، لا يمكن تعديلها أو استعادتها، ولكن يمكن إعادة استخدامها إلى أجل غير مسمى، نظرًا لطبيعتها الدائمة. ولذلك، لا يقتصر الخطر على سرقة الهوية فحسب، بل يكمن الخطر الحقيقي في فقدان السيطرة على استخدام صورة الشخص أو هويته لفترة طويلة.
إن احتمالية المخاطر طويلة الأمد ونشوء نقطة ضعف مركزية قائمة دائمًا عند جمع وإنشاء قاعدة بيانات بيومترية مركزية. وحتى مع التشفير القوي، تظل مخاطر انتهاك الخصوصية وسوء الاستخدام قائمة، لا سيما إذا تمت مشاركة هذه البيانات أو إعادة استخدامها أو تخزينها لعقود.
لضمان التحقق من هوية المستخدمين، يُفضّل دمج البيانات البيومترية مع عوامل مصادقة أخرى. لا ينبغي الاعتماد على عامل واحد فقط لتسجيل الدخول. ورغم أن البيانات البيومترية أصعب في التزوير من كلمات المرور التقليدية، ما يوفر مستوى أمان أعلى، إلا أنها قابلة للتزوير بطرق مختلفة. إذ يمكن للمجرمين الإلكترونيين استغلالها لتجاوز ضوابط المصادقة، أو إنشاء صور مزيفة، أو دمجها مع بيانات أخرى لإنشاء هويات اصطناعية. وهذا مثال واضح على أن العنصر البشري هو الحلقة الأضعف في سلسلة الأمان، حيث يواجه هجمات مُخصصة ومعقدة.
نظراً للتحديات الأمنية الكبيرة التي تواجه المصادقة البيومترية، تُعدّ حماية هذه البيانات أمراً بالغ الأهمية. فاختراقها يُشكّل خطراً لا يُمكن تداركه. علاوة على ذلك، توجد قيود تقنية، وتحديات قانونية، وقضايا تتعلق بإمكانية الوصول والإنصاف، فضلاً عن الآثار الأخلاقية المتعلقة بالخصوصية والمراقبة وإساءة استخدام المعلومات. حالياً، تتمثل أفضل طريقة لحماية السجلات البيومترية في تقليل انكشافها، وتخزين النماذج الرياضية فقط دون الصور الخام، وتقييد الوصول إليها وإدارته، وتجنب مركزية البيانات الحساسة.
لكن هذا ليس كل شيء. فمع ازدياد رسوخ استخدام القياسات الحيوية، تظهر تقنيات مصممة لتعزيز الخصوصية ومعالجة المخاوف المتزايدة بشأن حماية البيانات الشخصية. تتيح أساليب التشفير المتقدمة للمؤسسات الاستفادة من مزايا المصادقة البيومترية دون المساس بأمن المعلومات الحساسة، بينما يُحسّن دمج تقنيات التعلّم الآلي من كشف محاولات انتحال الشخصية المعقدة ويعزز النظام ككل. في مواجهة التهديدات الناشئة مثل التزييف العميق، أصبح تطوير تقنيات الكشف عن الوجود في الوقت الفعلي وأنظمة المصادقة المدعومة بالذكاء الاصطناعي ضرورة ملحة. كل هذا يؤكد أن مستقبل القياسات الحيوية ينطوي بالضرورة على استخدام متوازن ومسؤول وخاضع لرقابة صارمة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق